حسن الأمين

23

مستدركات أعيان الشيعة

( كذا ! ) يسمى معلمو : ( معلم ) كانا Cana : ( كاناكا Kanaka ) . وقد وافق هذا المعلم على السفر مع رجالنا ( ليدلهم على الطريق إلى الهند ) لسروره بصحبتهم ، ولرغبته في إرضاء الملك ( ملك ملندي ) الذي كان يبحث عن ربان للبرتغاليين وحينما تبادل فاسكو دي گاما الحديث معه ، اقتنع بمعرفته ، وخاصة عندما أطلعه على خريطة للساحل الهندي كله ، وضعت حسب خرائط المسلمين ، ورسمت فيها خطوط الطول والعرض ، بدقة بالغة ، دون الإشارة إلى مهاب الرياح . ولما كانت المربعات ( التي تتالف من تقاطع ) خطوط الطول والعرض ، صغيرة جدا ، فان ( اتجاه ) الساحل بالنسبة لخطي الشمال والجنوب ، والشرق والغرب ، كان دقيقا جدا ، دون أن ( يؤدي ذلك ) إلى ازدحام الخارطة بكثرة ( العلامات التي تشير إلى اتجاه ) الرياح والابرة المغناطيسية ، كما هو شان خريطتنا البرتغالية التي تعتمد عليها الخرائط الأخرى . وقد أطلع فاسكو دي گاما ذلك المسلم على الأسطرلاب الخشبي الكبير الذي كان معه ، وعلى غيره من الاسطرلابات المعدنية ، التي كان يقيس بها ارتفاع الشمس ، فلم يدهش المسلم لرؤية تلك الآلات ، وقال أن الربابنة ( العرب ) في البحر الأحمر يستعملون آلات من النحاس مثلثة الشكل ، أو مؤلفة من أقواس قائمة الزوايا مقسمة إلى 90 درجة Quadrants لقياس ارتفاع الشمس والنجم ( القطبي ) الذي يهتدون به في أسفارهم . وأضاف أنه وملاحي كنباية والهند جميعها ، يسترشدون ببعض النجوم الجنوبية والشمالية وغيرها من النجوم التي تعبر قبة السماء من الشرق إلى الغرب ، وأنهم لا يقيسون خطوط العرض بمثل تلك الآلات ( التي أراها له فاسكو دي گاما ) بل بآلة أخرى يستعملها هو أيضا . وأظهرها في الحال وأراها له ( . . . ) وكانت مصنوعة من ثلاث صفائح . . . وبعد هذا الحديث وغيره من الأحاديث التي جرت بينهم ( البرتغاليين ) وهذا الربان ( 1 ) ، شعر فاسكو دي گاما أنه عثر على كنز عظيم ( . . . ) ، ولكي لا يفقده ، أبحر بأسرع ما يستطيع إلى الهند في ابريل 1498 م « ( 2 ) هذا الحديث وحده ، يفصح عن هوية ذلك الربان بما لا يدع مجالا للشك في أمرها . لنتدبر جيدا تصنيفه ربابنة المحيط الهندي . لقد قسمهم إلى قسمين : ربابنة ( العرب ) في البحر الأحمر ، الذين يهتدون في الليل بنجم واحد معين ، هو النجم القطبي الشمالي ، ويسمونه الجاه ، أو كما ينطقها الكثيرون في الخليج « الياه » ، أي الاتجاه ، وبحارة كنباية وجميع الهند ، الذين يتسعينون ليلا ، « ببعض النجوم الجنوبية والشمالية وغيرها من النجوم التي تعبر قبة السماء من الشرق إلى الغرب » . فأين وضع نفسه ؟ مع الصنف الثاني بالطبع . أي مع الهنود . لأنه هندي . لأنه ليس أحمد بن ماجد العربي . حتى الآلات التي يستعملها لرصد النجوم ، لم تكن من الآلات التي يستعملها ربابنة العرب في البحر الأحمر ، وإنما من الآلات التي يستعملها الهنود . تبعيتنا للمستشرقين ولكن أي سحر لهؤلاء المستشرقين على قلوبنا وعقولنا ؟ إن أكثرهم غير خليق بالثقة ولا يمكن الاطمئنان إلى أمانته العلمية ، ومع ذلك ، فما يكاد أحدهم يجترح ما يسيء إلى تاريخنا ، أو ديننا ، أو ثقافتنا ، أو ما يمس كياننا الروحي والفكري في الصميم ، حتى نعتد عمله منة علينا ، نشكره عليها ، ونقدم إليه جزيل الحمد ووافر الثناء من أجلها ، ثم نعتبر صنيعه جزءا من تراثنا القومي ، ندافع عنه ، وندعو إليه ، ونعلن عنه بجميع الوسائل المتاحة إلينا . وقل منا من يحاول أن يلقي نظرة مستقلة على حقيقة تلك « المنة » ، أو يعالجها بشيء من النقد والتمحيص . بينما يركبنا الشيطان ، عندما يتعلق الأمر بمصادرنا المأثورة ، فنتخذ من « الشك » في تلك المصادر صنما نعبده من دون الله . ولدت أسطورة النهروالي ميتة في أواخر العشر التاسع من القرن العاشر الهجري ( حوالي سنة 1570 م ) وبقيت مدفونة في قبرها منذ ذلك التاريخ ، لا يجري اسمها على لسان ، أو يمر ذكرها على خاطر ، حتى جاء فران ( 1922 م ) بعد أكثر من أربعة قرون ونصف على دفنها ، فنبش عنها التراب ، ثم جبل رفاتها بما درب عليه المستشرقون ، من تحريف للكلام الواضح المستقيم ، وصاغ منه مسخا جديدا لا يمت إلى الأسطورة النهروالية بسبب ، إلا بنسبته المزورة إلى صاحبها ، فتلقينا ذلك المسخ الدعي ، بالتاهيل والترحيب ، وأفسحنا له في صدور مجالسنا ، وذهبنا نستبق في تكريمه ، والتغني بفضائله ، دون أن يتوقف أحدنا لحظة ، يتساءل فيها عن حقيقة ذلك النسب ، وهل هو صريح كما يقولون ؟ أم من قوارير ، كنسب صاحب بشار ؟ لقد رفضنا الأصل ونبذناه ، وتهنا غراما بالدعي الممسوخ . الدكتور أنور عبد العليم وفي كل هذا الزمن الطويل ، منذ سنة 1922 م ، لم تساور الشكوك في ذلك النسب المنحول ، سوى واحد منا فقط ، كما أعلم ، هو الدكتور الفاضل أنور عبد العليم ، ولكنه ما لبث أن أغفل تلك الشكوك ، ولا أدري هل نسيها ، أم رأى أنه لا يجوز الشك فيما يصنع المستشرقون ، أم اتضح له أن الحق فيما شك فيه ، فرجع عن شكه ؟ أن للدكتور دراسات قيمة عن أحمد بن ماجد ، منها كتابه « ابن ماجد الملاح » ، وقد قدمه إلى المطبعة في يوليو سنة 1966 م . والدكتور غني عن التعريف ، لا في البلاد العربية وحدها ، بل وفي الدوائر العلمية في الغرب كذلك . في هذا الكتاب يكرر الدكتور ، أولا ، ما شاع منذ سنة 1922 م ، من أقوال مبتسرة ، لا تمت إلى الحقيقة بصلة ، عن علاقة أحمد بن ماجد ، بفاسكو دي گاما ، فيرددها بصيغة المطمئن إليها ، الواثق منها ، المعول عليها ، كقوله : « ولا ترجع شهرة الربان العربي ، إلى كونه مؤلفا ترك للتراث العربي ذخيرة هامة من المؤلفات العلمية والتكنولوجية ، عن البحر وفنون الملاحة فحسب ، بل أنه كان أيضا المرشد لسفينة فاسكو دي گاما البرتغالي ، من ثغر ماليندي ، على خط عرض 3 درجات جنوب خط الاستواء على الساحل الشرقي لإفريقيا إلى كلكتا ( 3 ) عام 1498 م « ( 4 )

--> ( 1 ) ترجم الأستاذ محمود ياسين الحموي ( الملاح العربي ص 8 - 10 ) هذه النبذة عن فران كما يبدو ، بشيء من التصرف والزيادات التي يخلو منها النص الانكليزي . ولا أدري إذا كانت تلك الزيادات موجودة في الأصل الفرنسي أم لا . من ذلك أنه وصف هذا الربان في هذا الموضع ب « العربي » بينما هو في النص الإنجليزي ربان فقط ، مجرد من أي وصف . أما صفته فيما سبق من هذا الحديث فمسلم من كجرات ، كما مر بنا . ( 2 ) دائرة المعارف الإسلامية ، الترجمة الإنجليزية ، ط . الأولى ، مادة شهاب الدين أحمد بن ماجد . ( 3 ) ليست كلكتا Calicutta بل كليكوت Calicut وتقع في الجنوب الغربي من السواحل الهندية الغربية ، بينما تقع كلكتا في أقصى الشمال من السواحل الهندية الشرقية ، على رأس خليج البنغال . ولم تكن للبرتغاليين علاقة فيها ، وبالتالي فان فاسكو دي گاما لم يرها في حياته . لقد تكرر هذا الخطا أكثر من مرة ، وإلا لما أعرناه اهتماما ( راجع كتاب ابن ماجد الملاح ص 48 و 54 ، والفوائد في أصول علم البحر والقواعد « العرب » س 4 ، ص 840 و 843 ) ، وقد وقع فيه عدد من كتابنا الذين تصدوا للحديث عن أحمد بن ماجد ، منهم الأستاذ محمود ياسين الحموي الذي ترجم Calicut ب « كالكوتا » أي « كلكتا » ( الملاح العربي ص 10 ) ، والدكتور السيد يعقوب بكر ، في ترجمته القيمة لكتاب فضلو الحوراني « العرب والملاحة الهندي » ص 237 . ( 4 ) ابن ماجد الملاح ، ص 7 .